مركز الثقافة والمعارف القرآنية

668

علوم القرآن عند المفسرين

ومن الظاهر ، أن تحريم شيء بعد شيء لا يكون من النسخ في شيء ، وكون الحصر حقيقيا أظهر الاحتمالين وأقربهما إلى الفهم العرفي ، ومع ذلك فلا نسخ في مدلول الآية - ولو كان الحصر إضافيا - كما عرفت . 21 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ « 1 » . فقد ذهب بعضهم إلى أن هذا الحكم منسوخ بقوله تعالى : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ « 2 » . فان المسلمين إذا قل عددهم عن نصف عدد الكفار جاز لهم ترك القتال ، والفرار من الزحف . ومن القائلين بهذا القول : عطاء بن أبي رياح « 3 » . والجواب عن ذلك : إن تقييد إطلاق هذه الآية بآية التخفيف المذكورة مؤكد لبقاء حكمها . ومعنى ذلك : أن الفرار من الزحف محرم في الشريعة الاسلامية إذا لم يكن عدد المسلمين أقل من نصف عدد الكفار ، وأما إذا كان المسلمون أقل عددا من ذلك فلا يحرم عليهم الفرار ، وهذا ليس من النسخ في شيء . وروي عن عمرو بن عمر ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وأبي نضرة ونافع مولى ابن عمر ، والحسن البصري ، وعكرمة ، وقتادة ، وزيد بن أبي حبيب ، والضحاك : أن الحكم مخصوص بأهل بدر ، ولا يحرم الفرار من الزحف على غيرهم . وبه قال أبو حنيفة « 4 » . وهذا القول أيضا باطل : فإن مورد الآية وإن كان يوم بدر . إلا أن ذلك لا يوجب اختصاص الحكم به ، بعد أن كان اللفظ عاما ، وكان الخطاب شاملا لجميع المسلمين ، ولا سيما إذا كان نزول الآية المباركة بعد انقضاء الحرب من يوم بدر « 5 » .

--> ( 1 ) سورة الأنفال : الآية 15 و 16 . ( 2 ) سورة الأنفال : الآية 66 . ( 3 ) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 154 ، وتفسير الطبري ج 9 ص 135 . ( 4 ) تفسير الشوكاني ج 2 ص 280 . ( 5 ) تفسير الشوكاني ج 2 ص 280 .